وهبة الزحيلي

249

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وتكون إضافة الأموال على الرأي الثاني إلى ضمير المخاطبين على حقيقتها . ومعنى قوله : الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً : أن الأموال قوام الحياة ، وسبب إصلاح المعاش ، وانتظام الأمور ، فبالمال تتقدم الأمم وتبني صرح الحضارة ، وبالمال يسعد الفرد والجماعة ، وبه أيضا يتحقق النصر على الأعداء . وكان السلف يقولون : المال سلاح المؤمن ، ولأن أترك مالا يحاسبني اللّه عليه خير من أن احتاج إلى الناس . وعن سفيان ، وكانت له بضاعة يتاجر بها ، وقيل له : إنها تدنيك من الدنيا فقال : لئن أدنتني من الدنيا ، لقد صانتني عنها . وكانوا يقولون : اتجروا واكتسبوا ، إنكم في زمان إذا احتاج أحدكم ، كان أوّل ما يأكل دينه « 1 » . وجعل الأموال وسيلة إصلاح شؤون الحياة يقتضي تثميرها وتشغيلها وتنميتها لا اكتنازها وادخارها ، كما يقتضي إدارتها بحكمة والاقتصاد في الإنفاق منها ، كما سنّ القرآن للمؤمنين بقوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ، وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [ الفرقان 25 / 67 ] . وحث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على الاقتصاد ، روى أحمد عن ابن مسعود : « ما عال من اقتصد » و روى الطبراني والبيهقي عن ابن عمر : « الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة ، والتودد إلى الناس نصف العقل ، وحسن العقل نصف العلم » . ومعنى قوله : وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ : اجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم وكسوتهم ، بأن تتجروا فيها ، فتكون النفقة من ثمرتها وربحها ، لا من أصل رأس المال ، لئلا يأكله الإنفاق . وهذا مفهوم من جعل الأموال نفسها ظرفا للرزق والكسوة ، فقال : فِيها ولم يقل : « منها » . ومعنى قوله : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً : أن يقول كل ولي للمولى عليه

--> ( 1 ) تفسير الكشاف : 1 / 377